عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
365
اللباب في علوم الكتاب
الوجوه عند السائل ، والمسؤول ؛ نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا : ومتى قلت : كيف ثوبك ؟ وكيف زيد ؟ فإنّما للسؤال عن حال من أحواله ، وقد تكون « كيف » خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف ، نحو قولك : كيف شئت فكن ، ونحو قول البخاريّ : « كيف كان بدء الوحي » ، و « كيف » في هذه الآية إنّما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياء متقرّر ، ولكن لمّا وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء ، قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة ذلك الشيء ، يعلم أنها لا تصح ؛ فيلزم من ذلك أنّ الشيء في نفسه لا يصحّ ؛ مثاله أن يقول مدّع أنا أرفع هذا الجبل ، فيقول المكذّب له : أرني كيف ترفعه فهذه طريقة مجاز في العبارة ، ومعناها تسليم جدلي ، كأنه يقول : افرض أنّك ترفعه ، فأرني كيف ترفعه فلما كان في عبارة الخليل - عليه الصّلاة والسّلام - هذا الاشتراك المجازي ، خلص اللّه له ذلك ، وحمله على أن بيّن له الحقيقة ، فقال له : « أو لم تؤمن ؟ قال : بلى » فكمل الأمر ، وتخلص من كلّ شكّ . فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى لم يسمّ عزيرا ، بل قال : « أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ » ، وهاهنا سمّى إبراهيم ، مع أنّ المقصود في كلتا القصّتين شيء واحد ؟ ! فالجواب « 1 » : قال ابن الخطيب - رحمه اللّه - : والسبب فيه : أنّ عزيرا لم يحفظ الأدب ، بل قال « أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها » ولذلك جعل الإحياء ، والإماتة في نفسه ، وإبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصّلاة والسّلام - حفظ الأدب ، وراعاه ؛ فقال أوّلا « ربّ » ، ثمّ دعا فقال : « أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » ولذلك جعل الإحياء ، والإماتة في الطيور . قوله : « قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ » في هذه الواو وجهان : أظهرهما : أنها للعطف قدّمت عليها همزة الاستفهام ، لأنها لها صدر الكلام والهمزة هنا للتقرير ؛ لأنّ الاستفهام إذا دخل على النفي ، قرّره ؛ كقول القائل : [ الوافر ] 1211 - ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح « 2 » و أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] ، المعنى : أنتم خير ، وقد شرحنا . والثاني : أنها واو الحال ، دخلت عليها ألف التقرير ، قاله ابن عطية ؛ وفيه نظر من حيث إنها إذا كانت للحال ، كانت الجملة بعدها في محلّ نصب ، وإذا كانت كذلك ، استدعت ناصبا ، وليس ثمّ ناصب في اللفظ ، فلا بدّ من تقديره ؛ والتقدير « أسألت ولم تؤمن » ، فالهمزة في الحقيقة ، إنما دخلت على العامل في الحال . وهذا ليس بظاهر ، بل الظاهر الأوّل ، ولذلك أجيبت ببلى ، وعلى ما قال ابن عطية يعسر هذا المعنى . وقوله : « بلى » جواب للجملة المنفيّة ، وإن صار معناه الإثبات اعتبارا باللفظ لا
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 33 . ( 2 ) تقدم برقم ( 357 ) .